انهيار تاريخي يعيد تسعير أسواق المعادن: الفضة تهوي 26% والذهب يسجل أسوأ يوم في عقد
في جلسة واحدة حادة أعادت تسعير أسواق المعادن بالكامل، تعرّضت الفضة لهبوط تاريخي بلغ 26% يوم الجمعة، وهو أكبر تراجع يومي مسجّل لها، في حين انخفض الذهب بنحو 9% في أسوأ أداء يومي له منذ أكثر من عقد. هذا التحرك جاء بعد فترة قصيرة من تداول الفضة عند مستويات نادراً ما تجاوزتها تاريخيًا، حيث لم تصعد فوق 40 دولارًا للأونصة إلا في محطات محدودة، قبل أن تفقد هذه المكاسب خلال أقل من عشرين ساعة.
تصحيح تحركات غير متوازنة في أسواق المعادن
هذا الانعكاس السعري لم يكن حدثًا معزولًا، بل جاء بعد أسابيع من تحركات غير متوازنة في أسواق المعادن، حيث ارتفعت أسعار الذهب والنحاس والقصدير بوتيرة سريعة وبصورة بدت منفصلة عن أساسيات العرض والطلب. تلك التحركات ارتبطت بتدفقات سيولة مضاربية كثيفة، خصوصًا من مستثمرين أفراد وصناديق في آسيا، ما أدى إلى تضخيم الأسعار ودفع السوق إلى حالة إنهاك واضحة.
التحول الحاد بدأ مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب نيته ترشيح كيفن وارش لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وهو ما انعكس سريعًا على قوة الدولار وأعاد تسعير توقعات السياسة النقدية. هذا التطور مثّل الشرارة المباشرة، لكنه جاء في سوق كانت بالفعل في حالة تشبع سعري بعد موجة مكاسب متواصلة، ما جعل سرعة وحجم التراجع لافتين حتى في أسواق عالية السيولة مثل الذهب.
في نفس الوقت، أظهرت تحركات التداول أن السوق كانت تعمل عند حدودها القصوى. متداولو المعادن في أوروبا والولايات المتحدة واصلوا العمل دون انقطاع لمتابعة الجلسات الآسيوية التي شهدت أعنف التحركات، بينما تحولت المؤتمرات والفعاليات المتخصصة إلى مساحات لمتابعة الأسعار لحظة بلحظة مع تصاعد الاضطراب.
تقلبات غير مسبوقة
التقلبات المسجلة خلال يناير 2026 وُصفت بأنها غير مسبوقة في أسواق المعادن الثمينة، مع تحركات سعرية حادة وصعبة التنفيذ. ورغم أن صعود الذهب خلال السنوات الماضية استند في بدايته إلى اتجاه البنوك المركزية لتنويع احتياطاتها بعيدًا عن الدولار، ثم تسارع لاحقًا مع دخول مستثمرين غربيين ضمن ما عُرف بتجارة التراجع النقدي، فإن الأسابيع الأخيرة شهدت انتقال السوق إلى مرحلة مضاربات زخم واضحة، قادها مستثمرون أفراد وصناديق، ما دفع الأسعار إلى مستويات قياسية في وقت قصير.
مع تسارع الصعود، انخرطت استراتيجيات التداول المعتمدة على تتبع الاتجاه بشكل أوسع، ما أضاف زخمًا إضافيًا للحركة. تقديرات استثمارية أشارت إلى أن السوق تحولت فعليًا من تسعير قائم على الأساسيات إلى تسعير مدفوع بالزخم، مع إدراك متزايد بأن هذا الوضع يحمل في طياته مخاطر انعكاس حاد، وهو ما تحقق بالفعل.
على جانب الطلب الفعلي، ظل الإقبال على الذهب قويًا حتى قبيل الانهيار، مع تسجيل نقص في بعض فئات السبائك وتسليمات ممتدة، في وقت تعمل فيه المصافي وشركات التكرير بأقصى طاقتها. إلا أن حدة التحركات كانت أوضح في سوق الفضة، نظرًا لصغر حجمها النسبي، حيث تُقدَّر القيمة السنوية لإمدادات الفضة بنحو 98 مليار دولار فقط، مقارنة بنحو 787 مليار دولار لسوق الذهب، ما يجعلها أكثر عرضة لتقلبات عنيفة.
الفضة أحجام تداول قياسية
في الوقت نفسه، سجّل أكبر صندوق متداول مدعوم بالفضة، آي شيرز سيلفر ترست، أحجام تداول تجاوزت 40 مليار دولار في يوم واحد، بعدما كانت أحجام التداول فيه قبل أشهر قليلة لا تتجاوز ملياري دولار في الأيام النشطة. كما شهدت سوق الخيارات نشاطًا استثنائيًا، مع ارتفاع قياسي في عقود الشراء المفتوحة، متجاوزة حتى أحجام الخيارات على بعض مؤشرات الأسهم الكبرى.
هذا التراكم الكبير في عقود الشراء خلق بيئة مواتية لما يُعرف بضغط الشراء الناتج عن التحوط، حيث يضطر الوسطاء إلى شراء المعدن الأساسي للتحوط مع ارتفاع الأسعار، ما يضخم الحركة صعودًا، قبل أن ينقلب الاتجاه بنفس الآلية عند بدء التراجع، وهو ما يفسر جزئيًا سرعة الهبوط وحدته.
في المحصلة، ما شهدته أسواق المعادن لم يكن مجرد تصحيح تقني، بل إعادة تسعير شاملة بعد مرحلة مضاربات مفرطة، كشفت هشاشة التوازن السعري عندما تنفصل التدفقات المالية عن الأساسيات، خاصة في أسواق ذات عمق متفاوت مثل الفضة مقارنة بالذهب.
Tags
جميع المقالات
تواصل معنا
إذا كان لديك أي إستفسارات...
من فضلك لا تتردد في ارسال رسالة لنا