لماذا لم يتراجع النفط رغم إعلان ترامب تأجيل ضرب محطات الطاقة الإيرانية؟
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم الخميس، تأجيل الضربات على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام إضافية، حتى 6 أبريل/نيسان. وفي منشور على موقع "تروث سوشيال"، قال الرئيس الأمريكي إنه فعل ذلك بناءً على طلب "الحكومة الإيرانية"، مؤكداً أن المفاوضات مع إيران "مستمرة رغم التصريحات المغلوطة التي تنشرها وسائل الإعلام الكاذبة". إلا أن طهران شددت على أنها لن تستجيب للإنذارات الأمريكية، وهددت بالرد على محطات الطاقة وغيرها من المنشآت في جميع أنحاء الشرق الأوسط في حال وقوع هجوم.
النفط يتجاهل تصريحات ترامب ويواصل الارتفاع
على الرغم من التصريحات التي قد تبدو مطمئة للأسواق الا ان سعر النفط سجل سعر النفط في جلسة اليوم 27 مارس، سجل خام برنت 110.86 دولار للبرميل، بينما وصل خام غرب تكساس إلى 97.01 دولار. الأرقام على الرغم من ارتفاعها الا انها لا تعكس الصورة الكاملة فقط، بقدر ما يمكن اعتباره دلالة هو شكل منحنى العقود، حيث تحرك السوق في بيئة تميل إلى الباكوورداتشن، وهي الحالة التي ترتفع فيها الأسعار الفورية مقارنة بالعقود الآجلة، في إشارة واضحة إلى ضغط فوري على الإمدادات. هذا النوع من الهيكل السعري لا يظهر في التقارير الإخبارية عادة، لكنه بالنسبة للمتداولين يمثل إشارة مباشرة على أن السوق يعاني من نقص حقيقي في المدى القصير.
النفط يسعر نقص الإمداد وغياب القدرة على التعويض على المدى المتوسط
بدأ تسعير سوق النفط هذا الأسبوع من زاوية المخاطر، مع تصاعد التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، اتجهت الأسعار سريعًا لتسعير سيناريو نقص الإمدادات، خاصة مع تقديرات تشير إلى فقدان ما بين 7 إلى 10 ملايين برميل يوميًا من إنتاج الشرق الأوسط. هذا الحجم من التعطل يتم تسعيره مباشرة، وهو ما دفع خام برنت للتحرك بنحو 53% منذ نهاية فبراير، بالتزامن مع صعود خام غرب تكساس بنسبة تقارب 45%.
هذا التسعير يعكس المخاطر الحالية بالتزامن مع غياب وضوح قدرة التعويض. هنا تحديدًا يظهر العامل الغائب عن القراءة السطحية موقف تحالف أوبك بلس. السوق لم يكن يتعامل مع نقص الإمدادات بمعزل عن قدرة السعودية والإمارات على ضخ طاقة فائضة في ظل إغلاق المنفذ الرئيسي لصادراتهم، أو عن سلوك روسيا المستفيد الأبرز من هذه الحرب داخل التحالف. التردد في تسعير هذه القدرة التعويضية هو ما سمح للأسعار بالتحرك بهذا الشكل الحاد، لأن السوق بطبيعته لا يكتفي بقياس الفجوة، بل يقيس أيضًا من يمكنه سدها.
تأجيل الضربات على منشآت الطاقة
التحول الذي حدث في 23 مارس أعاد صياغة هذه التوقعات بشكل سريع. إعلان تأجيل الضربات على منشآت الطاقة الإيرانية، إلى جانب الإشارة إلى وجود محادثات، لم يغير الواقع الفعلي للإمدادات، لكنه خفف من تسعير السيناريو الأسوأ. انعكس ذلك فورًا على الأسعار، حيث تراجع خام برنت بنسبة 10.9% إلى 99.94 دولار، وانخفض خام غرب تكساس بنسبة 10.3% إلى 88.13 دولار، بعد أن لامست الخسائر نحو 15% خلال الجلسة. هذه الحركة لا تُفهم فقط كتصحيح، بل كإعادة ضبط سريعة لعلاوة المخاطر.
رغم هذا التراجع، لم تختفِ الضغوط بالكامل. استمرار خروج ما يقرب من 11 مليون برميل يوميًا من السوق أبقى منحنى التسعير حساسًا لأي تغيير في التوقعات. في مثل هذه البيئات، لا تتحرك الأسعار بناءً على البيانات فقط، بل تتأثر أيضًا بتدفقات السيولة. القفزات الكبيرة التي شهدها السوق خلال الفترة الماضية عادة ما ترتبط بارتفاع متطلبات الهامش وخروج مراكز ممولة بالرافعة المالية، وهو ما يضيف طبقة إضافية من التقلب لا ترتبط بالأساسيات بشكل مباشر.
على مستوى الاقتصاد الحقيقي، بدأ التأثير يظهر بشكل أكثر تعقيدًا مما يبدو. في آسيا، ارتفعت أسعار المواد الخام لبعض الشركات بنسبة تصل إلى 50%، مع خفض الإنتاج في بعض المصانع إلى ما بين 20% و30% من طاقتها. لكن هذا التراجع لا يرتبط فقط بسعر النفط الخام، بل أيضًا بهوامش التكرير. في حال لم تتحرك أسعار المنتجات النهائية مثل البنزين والديزل بنفس وتيرة ارتفاع الخام، تتآكل هذه الهوامش، ما يدفع المصافي لتقليل الإنتاج حتى في ظل توفر الإمدادات. هنا تتحول الأزمة من “نقص في النفط” إلى “اختلال في سلسلة التسعير بالكامل”. الأمر الذي يصبح من الصعب معه قراءة تحركات السوق من زاوية واحدة.
الأسعار خلال هذه الفترة لم تكن انعكاسًا مباشرًا لنقص الإمدادات فقط، ولا نتيجة تصريحات سياسية منفردة، بل نتيجة تفاعل معقد بين المخاطر الجيوسياسية، قدرة التعويض داخل أوبك+، شكل منحنى العقود، وضغوط السيولة في السوق.
جميع المقالات
تواصل معنا
إذا كان لديك أي إستفسارات...
من فضلك لا تتردد في ارسال رسالة لنا